فوزي آل سيف
30
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
وهذا يختلف عن مجيء النصرة في فتح مكة عندما جاء بعشرة آلاف مقاتل وذلك أنه {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا}[55]. إن خديجة في ذلك الحين الذي بدأ فيه الدعوة وقد كانت كل المؤشرات في غير صالح الرسول، قامت هي باختيار الرسول زوجاً قبل هذا الحين بفترة كافية (نؤكد على أنها اختارت النبي) وذلك من كمال عقلها الذي أشير إليه في بعض الروايات أنه كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: إحداهن خديجة بنت خويلد. ثم تصب بين يديه كل أموالها في سبيل نصرة دعوته.. وتكون له درعاً حامياً. وهنا نشير إلى قضية وهي: أن أصحاب الدعوات يحتاجون إلى أمرين: حماية خارجية، وسكن نفسي ومن دون هذين العنصرين ستتعقد أمورهم. وقد توفر كلا الأمرين لرسول الله، قام بالأول أبو طالب، فصد عنه المشاكل والهموم، والتحديات والاهانات، بل كان يتحدى كل القرشيين لو قاموا بتهديد رسول الله، ولذا نقل أن أبا طالب لما توفي أمر النبي بالخروج من مكة فإنه لم يبق له فيها ناصر. والأمر الآخر، هو السكن النفسي والهدوء الداخلي، فمتى فقده الإنسان – صاحب الدعوة – فإن مهمته تتعقد، ولذا أشار القرآن إلى نبي الله لوط ونوح، وأن نساءهما خانتاهما،–والخيانة هنا–لا تعني الخيانة الجنسية وإنما الخيانة في الدعوة وعدم الإيمان بها، بل التعامل مع المجتمع المحيط ضد النبي كما ورد في بعض روايات قصة نبي الله لوط وأنه لما جاءته الملائكة عمدت زوجته إلى إخبار المجتمع الكافر بوجود أغراب في ضيافته!. توفر لرسول الله هذا السكن النفسي مع خديجة بحيث ملأت حياته، ولذا عاش معها حوالي خمس وعشرين سنة ولم يتزوج عليها امرأة أخرى! حتى إذا رحلت خديجة تزوج بثمان نساء، ولم يقمن بأجمعهن مقام خديجة.. حتى لقد أثار ذلك بعض نسائه غيرة، وذكرتها بما لا يليق وأن الله قد أبدله خيرا منها! مما أغضب رسول الله غضبا شديداً، فقال: ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وواستني بمالها حين حرمني الناس، ورزقني الله الولد منها وحرمت من غيرها. نقطة أخرى: وهي أن خديجة لم تكن من ذرية النبي صلى الله عليه وآله – نسباً – مثل فاطمة أو الحسن والحسين، ومع ذلك فإنها وصلت إلى ما وصلت إليه من المنزلة والشأن، وما ذلك إلا لأنها (آمنت بي) و(صدقتني) و(واستني) وهذه كلها أفعال اختيارية أوصلتها إلى ما وصلت إليه. وهذا الباب مفتوح لمن أراد دخوله لينضم بذلك إلى مستوى العظماء.
--> 55 الحديد: من الآية10